انت من الجنة
قصة حقيقية
انت من الجنة
قصة حقيقية عن الحب حين يقف وحيداً في وجه الدين والأهل والوطن
"انت من الجنة!!"
بهذه الكلمات الأربع بدأت كل الحكاية. لم تكن غزلاً مدروساً، ولا جملة حفظها شابٌ محترف في الغزل، بل كانت انبهاراً عفوياً خرج من فم شاب لبناني في الثالثة والعشرين من عمره، يقف أمام فتاة رآها للمرة الأولى في ممر مقهى جامعي في مدينة برادفورد البريطانية، وظنّها ملاكاً هبط للتو من السماء. لم يكن يعرف اسمها بعد. لم يكن يعرف أن هذه الجملة، التي قالها بلا تفكير، ستتحول بعد سنوات إلى عنوان الكتاب الذي بين يديك، وستصبح – على نحوٍ لم يتوقعه – لعنة ونعمة في آنٍ معاً.
هذا الكتاب ليس رواية بالمعنى التقليدي، ولا هو مذكرات سياسية أو اجتماعية جافة. إنه اعترافٌ كامل، مكتوبٌ بصدقٍ يكاد يكون مؤلماً، من رجل قرر أن يفتح قلبه للغرباء بعد أن أغلقه لسنوات، ليروي كيف يمكن لحبٍّ واحد أن يتقاطع مع كل شيء: مع الدين، ومع الطائفية، ومع فساد السياسة، ومع انهيار وطنٍ بأكمله، ومع أسئلة الهوية التي تطارد كل من وُلد في بلدٍ ممزق ويحاول أن يحب بحرية.
من ضاحية بيروت الفقيرة إلى قاعات برادفورد
قبل أن يتعرف القارئ على "سارة" – بطلة النصف الأول من هذه القصة – يأخذنا الكاتب في رحلة إلى الوراء، إلى طفولته في حيٍّ فقير على أطراف ضاحية بيروت الجنوبية، حيث وُلد عام 1990 في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، لأبٍ نجار كافح كي يخرج عائلته من فقرٍ "لا يمكن الفرار منه إلا بأعجوبة"، ولأمٍّ ربة منزل حلمت بأن يحمل ابنها البكر يوماً لقب "دكتور". من مدرسة إسلامية في حارة حريك، إلى معمل النجارة حيث كان يقضي عطلته الصيفية بين نشارة الخشب وأحاديث العمال، يرسم الكاتب صورة دقيقة لطفولةٍ عادية في بلدٍ غير عادي.
ثم يأتي التحول الأول: القبول في الجامعة اللبنانية الأميركية عام 2008، حيث يخرج للمرة الأولى من "فقاعته الصغيرة" ليتعرف على طلاب من كل الطوائف والخلفيات، وسط أحداثٍ سياسية عاصفة هزّت لبنان بين 2008 و2011. ثم القفزة الأكبر: قبوله في جامعة برادفورد البريطانية لدراسة الماجستير عام 2012، وسفره وحيداً وهو في الحادية والعشرين من عمره، ليجد نفسه فجأة في "عالمٍ أكبر بكثير من أي شيء اختبره من قبل" – حرمٌ جامعي دولي، طلاب من كل قارة، لغات وأديان وقصص لم يسمع بها من قبل.
في هذا العالم الجديد، وفي جلسة عابثة مع ثلاثة أصدقاء عرب في مقهى الجامعة، بدأت القصة.
سارة: الفتاة التي "لا تعرف عن لبنان شيئاً" فعرّفها لبنان بها
أشار له صديقه محمد إلى فتاتين تجلسان خلف درج الجامعة، وقال له بلهجة مازحة: "لكونك رئيساً للمنتدى العربي، عليك أن تتعرف على كل العرب هنا." كانت تلك اللحظة – التي وُلدت من مزحة عابرة بين شبان – هي اللحظة التي غيّرت مسار حياته بالكامل.
سألها من أين هي، فأجابته بصوتٍ خافت: "أنا من لبنان، ولكن لا أعرف عن لبنان شيئاً." فقال لها الجملة التي ستطارده لسنوات: "إن لم تعرفي، فلبنان يعرفكِ. أما أنتِ فمن الجنة."
من تلك اللحظة، بدأت علاقة معقدة ومتصاعدة مع "سارة" – فتاة لبنانية من عائلة ميسورة الحال، تصغره بأربع سنوات، تدرس الصيدلة، وتنتمي إلى عائلة سنّية محافظة. وبينما كان هو شيعياً حتى النخاع، لم يخطر بباله أن هذا التفصيل الديني، الذي بدا له في البداية "سخافة" لا تستحق الذكر، سيتحول إلى الجدار الذي ستتحطم عليه علاقتهما.
يروي الكاتب بتفاصيل حميمة كيف بدأت القصة: كاراوكي جامعي غنّت فيه سارة أغنية لسيلين ديون، أول موعد غرامي تحت المطر في مطعم تركي، خروجها من بيتها خلسة "كأنه باب الجنة"، هدية دبدوب صغيرة أهدتها إياه فتاة أخرى فأعاد إهداءها لسارة بقصة طريفة، وسؤالها الأول المفاجئ الذي جمّد الزمن في المطعم: "أنت سني أم شيعي؟"
سؤال واحد يفتح جرحاً عمره ألف عام
من هذه اللحظة، يتحول الكتاب إلى شيء أعمق بكثير من قصة حب جامعية عابرة. يبدأ الكاتب في تفكيك، بصدقٍ نادر، كل الخطاب الطائفي الذي نشأ عليه وتشرّبه المجتمع من حوله – خطاب "الشيعي" و"السني"، خطاب "منّا" و"مسجدنا"، خطاب الخوف المتبادل الذي يُغذّى سياسياً لخدمة زعماء الطوائف بينما يُترك الناس العاديون يتقاتلون بالنيابة عنهم.
يجد نفسه، وهو الشاب المتحمس، يخوض "معركة إقناع" متواصلة: أولاً مع سارة نفسها، ثم مع والدتها حنان في لقاءٍ أول مؤثر انتهى بموافقتها الظاهرية، ثم – وهذا الأصعب – مع والدها "عمر"، رجلٌ هادئ صموت، عيناه خضراوان لا تفصحان عن شيء، يستقبله في أول زيارة له إلى منزل العائلة في مانشستر بمصافحة عادية، لكنه يودعه بضغطة يدٍ عصبية غامضة لا يفهم سببها إلا بعد أيام: رسالة مجهولة المصدر وصلت إليه تصفه بـ"الكاذب والمحتال".
يكشف الكتاب لاحقاً، بأسلوب يجمع بين المرارة والفكاهة السوداء، أن وراء هذه الرسالة – وأشياء أخرى كثيرة حاولت إفشال العلاقة – تحالفاً غير متوقع من "أصدقائه" العرب أنفسهم في الجامعة، ثلاثة شبان اعتبروا الفتيات "غنائم حرب" ولم يقبلوا أن يفوز بها أحدهم دون نصيبهم، في مشهدٍ يفضح – بجرأة نادرة – نفاقاً اجتماعياً وأخلاقياً يتجاوز حدود القصة الفردية ليصبح مرآة لمجتمعٍ بأكمله.
أمٌّ لا تشبه الأمهات، وأبٌ يبحث عن عدو
من أكثر الخيوط تعقيداً وغرابة في هذا الكتاب هي علاقة الكاتب بوالدة سارة، "حنان". فتاة صغيرة تنتظره في المطار مع أمها تحت المطر، طعامٌ أسبوعي كامل تحضّره له كل أسبوع، ملابس وبطانيات وجوارب شتوية، عناية تفوق – كما يعترف هو نفسه – عناية أمه التي تركها في لبنان. لكن هذا الاهتمام المفرط، الذي بدا في البداية دفئاً عائلياً، يتحول تدريجياً إلى شيء أكثر التباساً: مكالمات هاتفية تمتد لساعات، تدخلٌ في أدق تفاصيل العلاقة، تناقضٌ محيّر بين تحريضها على استمرار العلاقة وتخريبها في آنٍ واحد، إلى أن تطلب سارة نفسها من حبيبها أن يحدّ من علاقته بأمها لأن "هناك خطباً ما" لا تستطيع تفسيره.
في المقابل، يرسم الكاتب صورة والد سارة "عمر" بتعاطفٍ مركّب نادر: رجلٌ ليس شريراً بالضرورة، لكنه "ضحية إعلام فتنوي" يسأله بلا مقدمات عن رأيه في الحرب السورية ليضعه في خانة مسبقة، يأخذه إلى "مسجدنا" في محاولة صامتة لـ"جعله منهم"، ويقف في لحظة الحسم الكبرى ليطلب من ابنته إجابة واحدة وحاسمة، أمام الجميع، في بهو أحد فنادق بيروت.
بيروت تحترق مرتين: الحب وسط الانهيار
يتقاطع الخط العاطفي في هذا الكتاب مع خطٍ سياسي واجتماعي متصاعد يوثّق مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث: من حملة "طلعت ريحتكن" ضد أزمة النفايات عام 2015، حيث كان الكاتب أحد مؤسسيها ومنظّميها الأساسيين، إلى انتخابه رئيساً لحزبٍ سياسي معارض ناشئ باسم "سبعة"، إلى ثورة 17 تشرين 2019 التي اندلعت ضد الفساد والطبقة السياسية بعد انهيار الليرة اللبنانية وعجز المصارف عن إعادة أموال المودعين – وكان هو أحد ضحاياها المباشرين.
هذا التقاطع بين الحب الشخصي والانهيار الجماعي ليس زخرفة سردية، بل هو جوهر الكتاب: كيف يحاول شابٌ أن يبني حياة وحباً وسط وطنٍ ينهار من تحت قدميه، وكيف تتشابك معركته من أجل قلب امرأة مع معركته من أجل بلدٍ يرفض أن يتغير. في واحد من أكثر المشاهد قوة في الكتاب، يتلقى الكاتب رسالة من سارة تعيد له الأمل في لحظة يأسه فيها من أصدقائه ومن وطنه معاً – وهي رسالة تطلب منه لقاء والدتها للمرة الأولى.
لحظة الحقيقة: كلمة واحدة تهدم كل شيء
بعد سنوات من الانتظار والصبر والإقناع، تصل القصة إلى ذروتها في مشهدٍ لن ينساه القارئ بسهولة: بترتيبٍ مفاجئ من والدة سارة نفسها، يجد الكاتب نفسه في بهو فندق في بيروت، يجلس أمام والد سارة، بينما تجلس هي بصمت، عيناها لا ترمشان. يطلب الأب من ابنته، أمام الجميع، إجابة مباشرة: "شو؟ بتحبيه؟"
يتوقف الزمن. الكاتب متأكد من الجواب، ينتظره كمن ينتظر حكم البراءة. لكن سارة، بصوتٍ مرتجف وعينين دامعتين، تنطق بكلمة واحدة فقط: "لا."
هذا المشهد، الذي يصفه الكاتب بأنه "طعنة باردة اخترقت قلبه"، هو نقطة اللاعودة في القصة. ما يتبعه من رسائل اعتذار محمومة من سارة، ومحاولات مصالحة، ولقاء أخير في قلب مظاهرة في وسط بيروت انتهى بتشابك أيديهما وسط الحشود قبل أن تفرقهما قنابل الغاز المسيل للدموع وتدافع قوات مكافحة الشغب – في مشهدٍ يمزج الحميمية بالفوضى السياسية بطريقة لا تُنسى – كل ذلك لن يكفي لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
نهاية لا تشبه هوليوود
في واحدة من أكثر فقرات الكتاب صراحةً وجرأة أدبية، يتوقف الكاتب مباشرة ليخاطب القارئ: "هل تنتظر نهاية مطرّزة بالأمل؟ هل تتوقع أن تنقلب صفحات الحقيقة فجأة إلى حكاية وردية؟... فالحكايات الحقيقية لا تُختتم بسعادة مطلقة، ولا بانتصار ساحق للبطل. تلك المشاهد وُلدت في استوديوهات هوليوود."
هذا الكتاب يرفض، بوعيٍ كامل، أن يقدّم للقارئ نهاية مصطنعة. يعترف الكاتب بمرارة أنه "أول مهزوم يجرؤ على كتابة قصته"، وأن سارة أحبت آخر في النهاية، وأن الحب – رغم كل معارك الإقناع والفلسفة والسياسة التي خاضها من أجله – لم ينتصر على الطائفية هذه المرة.
لكن القصة لا تنتهي هنا.
نريمان: القصة الحقيقية التي انتظرها القارئ
في مفاجأة سردية أخيرة تعيد كتابة معنى الكتاب بأكمله، يكشف الكاتب أن "البطلة الحقيقية" لهذه القصة ليست سارة، بل امرأة أخرى قابلها لاحقاً عام 2022، تحمل نفس التحدي الديني والعائلي بالضبط – فتاة سنّية، ووالدتها معارضة لزواجها من شيعي – لكنها، على عكس سارة، لم تنكسر أمام الضغط. يصفها بأنها "محاربة باسم الحب"، وأنه لم يكن سوى "الفارس الوحيد في جيشها"، وأن معنى اسمها – كما أخبرته هي نفسها ضاحكة – هو "ملكة".
بهذه اللمسة الأخيرة، يتحول الكتاب من مرثية حب فاشل إلى شهادة أمل: الحب لا ينهزم دائماً أمام التعصب، لكنه يحتاج أحياناً إلى شخصين مستعدين لخوض المعركة معاً، لا شخصٍ واحد يقاتل وحده. "لم ننتصر بعد، ولكن لم نُهزم" – هكذا يختم الكاتب قصته، معلناً أنه لا يزال، حتى اليوم، يقف في نفس الصف مع نريمان.
لماذا يستحق هذا الكتاب أن يُقرأ
هذا الكتاب مكتوب بصدقٍ نادر يجعل القارئ يشعر وكأنه يقرأ رسائل خاصة لم تكن مخصصة له، لا رواية مصقولة بعناية. استغرقت كتابته تسع سنوات كاملة، بدأها الكاتب عام 2015 كردة فعل مباشرة على قصة حبه، وتوقف عنها مراراً بين بيروت واسطنبول ومانشستر، ليكملها أخيراً من شقته في مدينة نياغرا فولز الكندية عام 2024، بعد أن استقر هناك عميداً لقسم علم البيانات في إحدى الجامعات، تاركاً وراءه وطناً غادره بعد أن أنهكه الفساد والانهيار.
هو كتابٌ عن الحب، نعم، لكنه أيضاً كتابٌ عن:
• الطائفية كما تُعاش من الداخل، لا كما تُناقش في التقارير الإخبارية – بكل تعقيدها الإنساني، ودون تبسيط أي طرف فيها إلى "شرير" مطلق.
• الهجرة ومعنى أن تترك بلداً أحببته وقاتلت من أجل إصلاحه، لتبدأ من جديد في مكانٍ لا يعرف اسمك.
• الأمومة الملتبسة، من خلال شخصية حنان التي تظل أحد أكثر الشخصيات غموضاً وإثارة للتساؤل في الكتاب.
• الذكورة الشرقية، التي يفكك الكاتب ازدواجيتها بجرأة نادرة، معترفاً بأخطائه الخاصة كما يفضح تناقضات مجتمعه.
• السياسة اللبنانية، من ثورة الأرز إلى ثورة تشرين، موثقة من موقع مشارك فيها لا مراقب من بعيد.
• الانتصار المتأخر، الذي يثبت أن نهاية قصة واحدة ليست نهاية القصة كلها.
القارئ الذي أحب يوماً وخسر، أو أحب يوماً وانتصر رغم كل الصعاب، سيجد في هذا الكتاب شيئاً من قصته الخاصة. كما يقول الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب: "اقرأ قصتي... وربما تجد في قصتي شيئاً من قصتك، وهذا هدفي ومرادي."
"انت من الجنة" – قصة حقيقية، بلا رتوش، عن الحب حين يُحارَب بالدين، وعن الدين حين يُستخدَم لقتل الحب، وعن رجلٍ رفض أن يهزمه أيّ منهما في النهاية.